ابن ميثم البحراني
74
شرح نهج البلاغة
الآلهيّة لم يكن مقصوده من جميع الأقوال المنقولة عنه إلَّا الغرض الأوّل من وضع الشرائع والسنن ، بيان ذلك أنّك قد علمت أنّ الأقوال الخطابيّة تنقسم بحسب أغراضها ثلاثة أقسام مشاورة ومنافرة ومشاجرة ، وأمّا المشورة فإنّها الجزء الأكبر من كلامه عليه السّلام وأنت تعلم من تصفّح كلامه أن كلّ ما يشير به بالقصد الأوّل فإنّما هو الإقبال على اللَّه تعالى بترك الدنيا والإعراض عنها والاستكمال في الفضائل وترك الرذائل والمنقصات الجاذبة إلى الخيبة السافلة المانعة عن الوصول إلى اللَّه سبحانه فإن عرض في كلامه أمر بجزئيّ أو نهي عن أمر جزئيّ لا يلوح للغافلين منه هذا الشرّ كمصالح الحرب والعدّة والمدنيّة وغير ذلك فإنّه عند الاعتبار يرجع إليه لأنّ كلّ ذلك يرجع إلى نصرة الدين وتقويته ونظام أمر العالم وترتيب مصالحه ، وأمّا المنافرة فقد عرفت أن جميع ما ورد في كلامه عليه السّلام من الذّم إنّما هو للدنيا واتباع الهوى وارتكاب الرذائل الموبقة ومن ارتكبها وأشباه ذلك ممّا يبعد عن اللَّه تعالى وما ورد فيه من المدح فإنّما هو للَّه سبحانه ولملائكته ورسله والصالحين من عباده وما هم عليه من الفضائل وترك الهوى والأعراض عن الدنيا وما ينبغي أن يكون الخلق عليه من ذلك ، ولا شكّ أنّ الأوّل جذب للخلق بتحقير ما تميل طباعهم إليه من الأمور الفانية وتصغيره وذمّه والتنفير عنه وذمّهم على ارتكابه ليتقهقروا عنه إلى ما ورائهم من النعيم الأبدي والخير السرمدي وليتذكروا معبودهم الحقّ سبحانه ولا يكونوا من المعرضين الهالكين ، والثاني أيضا جذب لهم بتعظيم ما ينبغي أن يلتفتوا إليه وتكبيره ومدحه والترغيب فيه وفيما يكون وسيلة من الفضائل والإعراض عن الدنيا وغير ذلك ، وأمّا الأمور المشاجريّة فما كان في كلامه عليه السّلام منها فإمّا بيان للظلم والجور وأسبابهما وما يؤولان إليه من سوء العاقبة وقبح الخاتمة عند اللَّه تعالى أو بيان للعدل وأسبابه وما يؤول إليه من حسن العاقبة وحميد المنقلب إلى اللَّه كما يشتمل عليه كثير من كتبه إلى عماله ومحاربيه ، ولا شكّ أنّ كلّ ذلك جذب إلى اللَّه تعالى بالتصريح والإشارة وأمّا تظلَّم من ظالم خرج عن ربقة الدين وأتبع هويه وشكاية عن أفعاله الخارجة عن نظام الشريعة المؤدية إلى ضدّ مقاصد الشارع ولا يخفى أنّ مقصوده من ذلك التظلَّم والشكاية إقناع الخلق بأنّ فلانا ظالم آخذ لما لا يستحقّه ليثبتوا على الحقّ ويفيئوا إليه وينكسروهم